أبو علي سينا
321
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
وكذلك القول في الأخلاق التي هي مباديها - وكذلك الآلام فإنها ليست بشرور - من حيث هي إدراكات لأمور - ولا من حيث وجود تلك الأمور في أنفسها - أو صدورها عن عللها - إنما هي شرور بالقياس إلى المتألم - الفاقد لاتصال عضو من شأنه أن يتصل - فإذن قد حصل من ذلك [ 1 ] - أن الشر في ماهيته عدم وجود أو عدم كمال لموجود - من حيث إن ذلك العدم غير لائق به - أو غير مؤثر عنده - وأن الموجودات ليست من حيث هي موجودات بشرور - إنما هي شرور بالقياس إلى الأشياء - العادمة كمالاتها لا لذواتها - بل ( 80 ) لكونها مؤدية إلى تلك الأعدام - فالشرور أمور إضافية - مقيسة إلى أفراد أشخاص معينة - وأما في نفسها وبالقياس إلى الكل فلا شر أصلا - ونعود بعد تقرير هذا المعنى إلى الشرح - فنقول الأشياء بحسب اعتبار وجود الشر وعدمه - تنقسم إلى ما لا شر فيه أصلا - وإلى ما فيه ما هو شر وما ليس بشر - وإلى ما ليس فيه ما ليس بشر أصلا - والقسم الثاني ينقسم - إلى ما يغلب فيه ما ليس بشر على ما هو شر - وإلى ما يتساويان فيه وإلى ما يغلب فيه ما هو شر - وهذه خمسة أقسام الأول ما لا شر فيه أصلا - وهو موجود - فإن الموجودات التي لا تشتمل على أمر بالقوة كالعقول - لا شر فيها أصلا - والثاني ما يغلب فيه ما ليس بشر على ما هو شر - وهو أيضا موجود - فإن ( 81 ) الموجودات التي لا يمكن أن تكون على كمالاتها اللائقة بها - إلا وتكون بحيث يعرض منها - عند ملاقاتها لما يخالفها - منع ذلك المخالف عن كماله - كالنار فإنها لا يمكن أن تكون بالغة في الحرارة - إلا وتكون بحيث يعرض منها - تفريق أجزاء بعض المركبات بالإحراق - يكون لا محالة من هذا الصنف - وظاهر أن مثل هذه الموجودات - يكون من شأنها الإحالة والاستحالة - والكون والفساد وهي قليلة بالقياس إلى الكل - ووقوع التقاوم المقتضي لصيرورة البعض
--> [ 1 ] قوله « فاذن قد حصل من ذلك » لما حصل مما تقدم أن الشر يطلق على عدم شئ من حيث هو غير مؤثر وهو فقدان كمال الشئ ، وإذا اطلق على امر وجودي مانع عن الكمال فالشر بالحقيقة هو فقدان الكمال أيضا . فقد حصل مفهوم الشر وهو عدم كمال لموجود من حيث هو غير لائق به : أو نقول : من حيث هو لا غير مؤثر . فليس هذه الاعتبارات مختلفة عن معنى واحد هو مفهوم الشر . وعلم هذا من تتبع استعمال الجمهور لفظ الشر في موارده . م